رئيسيشبـاك

المخرج يوسف الصباحي: الحِراك الحالي سینتج جیلاً یأخذ السینما على محْمَل الجد

شباب هاوس.. عمران مصباح

تُعبر البلدان عن نفسها من خلال الفنون، فالشعوب التي بلا فنون هي بلا ذاكرة، وفي العصر الحديث دخلت الإنتاجات السينمائية والدرامية ضمن تلك الفنون.. ذلك أعطى أهمية لهذا الجانب لم يكن عليه في السابق.
وبالرغم من أن اليمن ما زال بعيدًا نوعًا ما عن الإنتاج السينمائي والدرامي بمستوى عالٍ، إلا أن هناك شبابًا فيها يحاولون صناعة لمسة خاصة ومختلفة، قد تصنع تراكمًا يطور الإنتاجات اليمنية ويرتقي بها.
أحد هؤلاء الشباب، المخرج يوسف الصباحي، على الرغم من أنه في بداية مسيرته، إلا أن التميّز بدا عليه بوضوح منذ أن ابتدأ في مجال الإنتاج السينمائي.
منصة “شباب هاوس” التقت الشاب الصباحي في حوار تحدث فيه عن تجربته في الإنتاج.
يقول الصباحي لـ”شباب هاوس”: “لديّ محاولات متواضعة في الأفلام القصیرة، ثلاثة أفلام بالتحدید، آخرها فيلم (عبر الأزقة) الذي انتھیتُ من العمل علیه في شهر يناير الماضي، وتم تصویره في مدینة إب القدیمة”.

البدايات
يضيف الصباحي: “كانت بدایة تجاربي في جامعة كاليفورنيا – لوس أنجلوس، عند إتمامي البكالوريوس عملت على فيلم (واجب وطني)، كمشروع تخرّج، لأُتبِعَه بالعمل على فيلم (مُلغّم)، وبعدها تلقیت تدریبًا لمدة شھرین مع أكادیمیة فنون وعلوم الصور المتحركة (المسؤولة عن منح جوائز الأوسكار).
أما بخصوص عملي في الإعلانات التجارية، فبدأتُ مؤخرًا، وتحديدًا العام الماضي عبر إعلان (رسالة العروسة أماني)، وأعتقد أنھا منصة یمكن استغلالھا لتوثیق إرثنا الثقافي بنوعيه المادي واللا مادي، وتقديم صور فنیة (من بلادي).
وفي سياق تقديم نفسه، بما فيها مؤهلاته، وكذلك كيف ذهب نحو مجال الإخراج، يقول يوسف الصباحي: “في البداية لا أحب أن أعرّف بغیر یمنیتي، إلا بكوني من مدینة إب.. درست الإنتاج السينمائي والتلفزيوني، وتخصصتُ في الإخراج، من جامعة كاليفورنيا – لوس أنجلوس (UCLA). في البدایة لم تتجه میولي نحو الإخراج، ولا حتى السينما عامة، لكنني منذ طفولتي كنت مأخوذًا بالقصص وسلوك الناس، وكنت مقررًا دراسة علم النفس، حتى قادني صوت داخلي، لا أجد له تفسیرًا حتى الیوم، نحو ھذا المجال، فدرست الإخراج وأشتغل فيه الیوم، وأنوي أن استثمر فیه طیلة رحلتي الشخصیة، كمشروع أرید له أن یكبر ویثمر ویتجاوزني كفرد بالطبع.. یكبر حبي وتقدیري لھذا المجال كل یوم، وأكتشف أسبابًا جدیدة لذلك كل یوم أیضًا”.

فريم من فيلمه القصر “مُلغم”

قصص الجدات وليالي السمر فضاء يدحض القول بافتقار اليمن إلى الدراما
وإذا كان البعض يعتبر الإنتاج السينمائي والدرامي في اليمن منعدمًا، والخوض في هذا المجال مجازفة، لما يفتقر إليه البلد من تراكم معرفي، ولما يتطلب العمل من صناعة شيء من العدم، إلا أن الصباحي يختلف مع توصیف “العدم”، قائلاً إن قصص الجدات ولیالي السمر ومسرحیات أھالي القرى، وكذلك أغانینا، وأشعارنا وكل ما تحتویه ثقافتنا الشعبية یدحض ھذا التوصیف.. مضيفًا: “حتى فكرة التأسیس لصناعة سینمائیة، وإنْ لم یكن ھناك تبنٍّ حكومي أو مؤسسي جاد لفكرة السینما، أو حتى تدریسھا، إلا أن كل محاولة فنیة فردیة جادة سبقتنا أو نعاصرها الآن ھي أساس نبني علیه، مثل أفلام بدر بن الحرسي، خدیجة السلامي، سارة إسحاق، ولاحقًا عمرو جمال”.

الاطّلاع المعرفي أساس لصانع الأفلام
ولأنه لا يمكن الحديث عن الفن، دون مطالعة ما يجري على الواقع، يقول الصباحي عن ذلك التأثر وربط الوضع العام بالفن: “من المھم الإشارة إلى أن السینما، كباقي الفنون والعلوم، تتأثر بالتحولات السیاسیة الاجتماعیة في البلد، فلا یمكن – مثلاً – تجاھل الدور الذي لعبته ثورة فبراير حین خلقت حراكًا فنیًّا، وشجعتنا على التجرؤ على الحلم.
أتذكر أنني قبل مغادرة الیمن في 2013، كنت متطوعًا مع فریق إعلامي یدعى أیادي الشبابي، وكان لمعظم أعضاء الفریق طموحات سینمائیة/ تلفزیونیة.
على الرغم من المحاولات المتواضعة للفریق، إلا أنھا تجسد حماس البدایات الذي لو استمر تصاعده الطبیعي في بیئة مستقرة، لكان سوق الإنتاج المرئي في مرحلة متقدمة الآن، فكما قلتُ نحن وصناعة السینما في الیمن لا ننطلق من العدم، والشباب الیمني لا تنقصه الموھبة أو ما تتطلبه المھنة من مغامرة، بل غیاب الفرصة ھو كل ما في الأمر”.
ومن واقع تجربته يتحدث الصباحي عن الصفات والمهارات التي يجب أن يتمتع بها صُنّاع الأفلام، وكذلك الوسائل التي يستطيعون من خلالها تطوير أنفسهم، قائلاً: “أولاً وقبل كل شيء، أعتقد أنه یجب التعامل مع صناعة الأفلام على أنھا مھنة كغیرھا من المھن التي تتطلب مئات الساعات من التراكم المعرفي والتجاربي.
الصفات والمھارات تختلف باختلاف ما یریده صانع الأفلام، ولا أعتقد أن أي تجربة یمكن تعمیمھا وتوظیفھا لاستعراض الصفات أو المھارات التي من شأنھا أن تجعل الفرد صانع أفلام متمكن.
بالنسبة لي، الإمعان في ملاحظة الحیاة من حولي، المشاھدة اللا منقطعة للأفلام (مع الحرص على استكشاف أعمال من بلدان وثقافات متنوعة)، القراءة بشكل عام، وخصوصًا في النظریات الفیلمیة والنقد، ھي الخطوات التي أسعى باستمرار للمواظبة علیھا، وما زلتُ في طور التعلم”.

الاطّلاع يصلُ بخيال صانع الأفلام لعوالم أكثر
أما عن النتائج المباشرة التي يجلبها الاطلاع، فيقول: “أعتقد أنه كلما اتسعت معرفة الفرد وزاد اطلاعه على ما في الفنون المختلفة، كلما كان إنتاجه الفني متماسكًا أكثر.
الاستقاء من الإرث الثقافي والإنتاج الفني الیمني من شأنه أیضًا أن یساھم في وصول خیال صانع الأفلام لعوالم أكثر.. قال المخرج توماس فینتربرغ، أحد مؤسسي حركة دوغما 95، ومخرج فیلمAnother Round ، في مقابلة: “یبدو لي أنه حينما أغمس كفي في باحة البیت الخلفیة، تستحیل [القصص] كونیة، وحینما أمد یدي للكونيّ، یحدث العكس”، ویقول المعلم عباس كیاروستامي: “لكي تصنع عملاً یستطیع فھمه جمیع مَن في العالم، علیك أن تتجذر عمیقًا في ثقافة بلدك… تعرّف على الأماكن والناس وأفكارهم، ما یسعدھم، وما یقلقھم.. لا توجد خریطة واضحة أو خطوات محددة لإعداد مشروع صانع فیلم متمكن، لكن الطرق المختصرة لا تقود إلا نحو الأسفل، أو في أحسن الأحوال توهمك بالتقدم بينما أنت تدور حول نفسك”.

رؤيتي الفنية في حالة تشكل دائم
لدى الصباحي شغف كبير بما يقوم به، بالإضافة إلى امتلاكه رؤية فنية مختلفة، في هذا الخصوص، يسرد يوسف فكرته كاملة، بالقول: “أؤمن أن رؤیتي الفنیة في حالة تشكّل دائم، تتغیر وتُطوّر مع التجارب والوقت، لكنني، في الوقت الحالي، مھتم في وضع ما أعتقد أنه ممكن نظریًّا تحت ميكروسكوب التجربة في محاولة لإیجاد شكل سینمائي یستند إلى محاولات وتجارب عالمیة، بینما یحتفظ بخصوصيته الیمنیة.. وھذا مشروع طویل الأمد لا یقتصر على صناعة الأفلام، بل یشمل جانب الإعلانات التلفزیونیة، خصوصًا وأنھا الجانب الأكثر نشاطًا في سوق الإنتاج مؤخرًا، ولديّ اھتمامات مستقبلیة في إنتاج مسلسل تلفزیوني، ومشاریع أخرى فنیة قد لا تكون سینمائیة/ تلفزیونیة بالضرورة”.

اهتمامي مُنْصبٌّ على القصة بشكل أساسي
وعن نوع العمل الذي يريد يوسف الصباحي أن تنفرد به أعماله، وكذلك الطابع الذي قد يطغي عليها، يقول: “موضوع أن تحمل أعمالي طابعًا ممیزًا، أو حتى شكلاً موحدًا لا یشكل ھاجسًا بالنسبة لي، أو أنه كان موجودًا في مرحلة ما وتجاوزته.. فعلى العكس، أعتقد أنني مھتم في القصة بشكل أساسي، وأسعى لاستكشاف كیفیة السماح لھا في تكوین شكلھا/ قالبھا الخاص كجزء من تركیبتھا المتماسكة، ولا أخفي أنني أرغب في تجربة أسالیب وأشكال وقوالب مختلفة، خصوصًا ضمن السیاق الیمني.
من الضروري، في اعتقادي، أن یكون ھناك جُرأة في التجربة، في ھذه المرحلة بالتحدید، وأن یُشاھد الشباب الیمني المھتم بحكایة القصص المرئیة أكثر من قالب أو أسلوب للقصة الیمنیة”.

الفن وسيلة تعبير ذاتي قبل أن يكون رسالة
وإذا كان هناك من يعتبر الفن رسالة يجب إيصالها، فإن الصباحي له رأي آخر في هذا الشأن، حيث يقول: “الفن وسیلة تعبیر ذاتي قبل أن یكون رسالة.. وسیلة للتعبیر عن فھم الفرد الخاص للحیاة، عن إحساسه تجاه الناس والأشیاء، وعن الأسئلة والصراعات التي تؤرقه، وكل تلك الأفكار التي تتقافز في مخیلته.. ثم تأتي الرسالة إن كان ھذا خیار الفنان.. حين نتحضر ندوات لمخرجین كبار كأصغر فرھادي، أو لویس بنویل، أو توماس فنتربرغ، ستسمعھم یتفقون على نفس الفكرة: القصة وصدق المشاعر أولوية، والرسالة ثانویة”.
ويضيف يوسف الصباحي: “أنا لست ضد أن یكون الفن صاحب رسالة، لكنني ضد الارتباط الجوھري بینھما في الیمن والوطن العربي بشكل عام، أقصد الفن والرسالة.
نحن تربینا على ھذه الفكرة: الفن أداة تعلیم وتوعیة، إما أداة بروبأجندا في أیدي الأنظمة السیاسیة، أو أداة “تھذیب وتربیة” في أیدي الجماعات الدینیة، وھذه الفكرة تترسخ في وعي الفنان العربي، وما لم یتخذ قرارًا واعيًا في محاربتھا، فإنھا ستتسرب إلى أعماله.
شخصیًّا، أنا مھتم بالسلوك البشري، في الطریقة التي یعبّر بھا الناس عن أنفسهم، في قدرتھم أو (عدم قدرتھم) على التعبیر عن مشاعرھم.. أنا مھتم في استكشاف كیف یرى الفرد نفسه مقارنة بكیف یراه الآخرون، في استكشاف تعددیة الحقیقة وھلامیة الواقع”.
في بلد تنعدم فيه المدارس الفنية من الطبيعي قلة المتخصصين السينمائيين عن قلة المتخصصين في السينما اليمنية، وكذلك العوائق التي تنقص اليمنيين لإنتاجات بمستوى عالٍ، يقول الصباحي: “من الطبیعي جدًّا قلة المتخصصین في بلد تكاد تنعدم فیه المدارس الفنیة ومصادر الدخل للفنان. سوق الإعلانات التجاري الذي ينشط مؤخرًا لا یتجاوز عمره العشر سنوات.. المسلسلات التلفزیونیة تظھر مرة في السنة، دون دعم حكومي أو استثمار تجاري في مؤسسات تعلیمیة ودور عروض سینمائیة، لن تحدث نقلة نوعية.
ما نقوم به الآن من جھود فردیة في إنتاج أفلام قصیرة أو طویلة لیست سوى محاولة إبقاء حلم السینما على التنفس الاصطناعي.
نحن بحاجة دعم أكبر لإرسال شباب للدراسة في الخارج، بحاجة تسھیلات حكومیة في الإنتاج، بحاجة مُديري قنوات یملكون رؤى بعیدة، وبحاجة مُنتجین یؤمنون بمشروع السینما.
على الرغم من كل الصعوبات والعوائق، لكنني متفائل بشكل غریب.. أنا متفائل جدًّا، وأعتقد أن الحراك الحالي سینتج جیلًا یأخذ السینما على محمل الجد، وھذا الجیل ھو الذي سیصنع الفارق حین یمتلك فرصة اتخاذ القرار”.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى