شباب هاوس..
تعيش العاصمة صنعاء، الخاضعة لسيطرة جماعة أنصار الله الحوثيين، واحدة من أكثر الفترات قسوة على المستويين الاقتصادي والاجتماعي. انهيار العملة، انقطاع الرواتب، تفاقم معدلات البطالة، وغياب البرامج الحكومية الداعمة للشباب، كلها عوامل دفعت الجيل الجديد للبحث عن حلول ذاتية ومشاريع صغيرة تكفل لهم الحد الأدنى من الدخل. لكن هذه المحاولات تصطدم بجدار من السياسات السلطوية والقيود الإدارية التي تعرقل أي مسعى للنهوض الاقتصادي الفردي، لتتحول المبادرات إلى قصص فشل مبكر، والأحلام إلى مجرد ذكريات مؤلمة.
قصة ربيع الأسمر: “لقد كسروا ظهري”
في الشهر الماضي، تحوّل فيديو قصير نشره الشاب ربيع الأسمر، أحد أبناء صنعاء، إلى قضية رأي عام على وسائل التواصل الاجتماعي. ظهر ربيع وهو يروي بحرقة كيف انهار حلمه بعد أن استثمر كل ما يملك في تجهيز محل ضخم من سبعة أبواب مخصص لتجهيز الأعراس. وبينما كان ينتظر لحظة الافتتاح، داهمته حملة من مكتب الأشغال التابع للحوثيين، لتغلق المشروع بحجة “عدم وجود مواقف سيارات”.

ربيع علّق بمرارة: “لقد كسروا ظهري”، مؤكداً أن غالبية محلات صنعاء لا تمتلك مواقف خاصة، وأن ما حدث مجرد ذريعة لعرقلة مشروعه. قصته ليست استثناء، بل هي صورة مصغرة لمعاناة مئات الشباب الذين يواجهون عراقيل إدارية متكررة وجبايات لا تنتهي. كثير منهم باتوا يفكرون بالهجرة أو حتى ترك البلاد نهائياً، بعد أن تحولت محاولاتهم في بناء مشاريع خاصة إلى كابوس يبدد مدخراتهم ويقتل أحلامهم.
البدايات: مقاهي تحت نيران “الاختلاط”
منذ العام 2016، بدأت تتضح ملامح سياسة ممنهجة تتبناها جماعة الحوثيين تجاه الأنشطة التجارية. ففي ذلك العام، اقتحمت عناصر مسلحة مقهى “مون كافيه” بشارع حدة خلف “مول العرب”، واعتدت على مالكه وروّعت الزبائن بحجة “الاختلاط” وعدم الالتزام بالقواعد الدينية التي فرضتها الجماعة. انتهت الحملة بإغلاق المقهى وخسارة صاحبه كامل استثماره.
بعدها بأشهر قليلة، تكرر المشهد في “مقهى بُن وقشر” بصنعاء القديمة، أحد أهم المقاهي التراثية التي افتُتحت عام 2017. اقتحمت الجماعة المكان، طردت الزبائن، وكبّدت أصحابه خسائر فادحة بذريعة مشابهة. يروي أحد المالكين أن الهجوم وقع بينما كانوا يناقشون فكرة فتح فروع جديدة، لكن ما حدث أوقف المشروع في مهده، وأرهب كل من يفكر بالاستثمار في المجال.

“الاختلاط يؤخر النصر”: ذريعة للابتزاز
منذ تلك الحوادث، تحولت ذريعة “منع الاختلاط” إلى أداة رسمية بيد الحوثيين لإغلاق المشاريع وابتزاز المستثمرين. لم يتوقف الأمر عند المقاهي بل امتد إلى مطاعم ومجمعات تجارية كاملة. ففي بداية العام الجاري، أغلقت الجماعة أكثر من سبعة مطاعم وكافيهات في شارع المطاعم الجديد بحي حدة، وهو استثمار جماعي لشباب وشابات استدانوا مبالغ ضخمة لتأسيسه.
الناشط طارق المساوى كتب على صفحته في “فيسبوك”: “المطاعم التي كانت بشارع المطاعم في حدة أُغلقت جميعها، رغم أنها مملوكة لشباب اقترضوا أموالاً كبيرة لافتتاحها. بدأت الحجة بالاختلاط، ثم طُلبت مواقف سيارات كشرط تعجيزي.”
النتيجة كانت تراكم الديون على المالكين وقلة الإقبال، ما اضطرهم إلى إغلاق مشاريعهم نهائياً.

أعباء المناسبات: المولد النبوي نموذجاً
لا تقتصر القيود على الإغلاقات فقط، بل تشمل أيضاً فرض جبايات مالية متزايدة، خاصة في المناسبات الدينية التي تحتفي بها الجماعة، وعلى رأسها المولد النبوي. بالنسبة لأصحاب المشاريع، تتحول هذه المناسبة إلى عبء ثقيل يتطلب دفع إتاوات، وتعليق أضواء خضراء، وتحمل تكاليف لا قدرة لهم عليها.
يقول عارف (اسم مستعار)، صاحب محل تجاري صغير في صنعاء: “يترددون باستمرار لفرض جبايات تتجاوز دخل المحل. وعندما رفضتُ مرةً، اتهموني بالخيانة والعمالة للخارج.” ويضيف أن تراجع القوة الشرائية زاد الطين بلة، فدخل المحل في انحدار متواصل.

آثار خانقة على الشباب
هذا التضييق المتكرر لا يقتل المشاريع فحسب، بل يقوّض أي محاولة لدى الشباب لبناء مستقبلهم. فالخريجون الجدد الذين يفتقرون إلى فرص عمل، يجدون أنفسهم أمام خيارين: إما اللجوء لمشاريع صغيرة تبتلعها قرارات تعسفية، أو مواجهة البطالة واليأس.
اقتصاديون يرون أن الحوثيين يوظفون السيطرة الاقتصادية كأداة سياسية لفرض الولاء، عبر ربط التراخيص والتسهيلات بالانتماء للجماعة أو دفع الإتاوات. هذه السياسة لا تُبقي مجالاً لنمو اقتصادي حقيقي، وتحرم الشباب من فرص العمل والابتكار.
والأكثر إيلاماً أن غالبية هؤلاء الشباب استثمروا مدخراتهم المحدودة، أو اقترضوا من أسرهم وأصدقائهم، في سبيل تحسين أوضاعهم. لكن النتيجة النهائية كانت خسائر مضاعفة، وواقعاً يدفعهم إلى التفكير بالهجرة أو حتى الانخراط في أنشطة خطيرة.
الهجرة.. الخلاص الأخير للشباب

أمام انسداد الأفق وغياب بيئة ملائمة لأي طموح، لم يعد أمام الشباب في صنعاء سوى التفكير بالهجرة كخيار أول، بعد أن فشلت مشاريعهم الصغيرة وتآكلت قدرتهم على الصمود أمام الأعباء. لم يعد الأمر مجرد رغبة في تحسين مستوى المعيشة، بل أصبح هروباً من واقع يزداد قسوة يوماً بعد آخر.
جار الله، أحد شباب بني حشيش، عبّر بوضوح عن هذا الشعور في منشور أثار تفاعلاً واسعاً على مواقع التواصل. كتب قائلاً: “بالأمس كانت صنعاء تتعرض لقصف عنيف من الكفار، والرد اليوم كان باص مسلحين من المسلمين على (أصل العنب) بقيادة هيئة الزكاة بمديرية السبعين، أرعبوا الموظفين والموظفات بقوة السلاح، وكأن المشروع سبب ما حصل بالأمس من دمار.”
ويضيف جار الله بغضب أن هيئة الزكاة لم تعد تُمارس دورها الشرعي، بل تحولت إلى أداة بطش: “الزكاة أصبحت ركن من أركان الظلم في صنعاء، من لم يدفع يتم سحبه بالقوة حتى لو كان مشروعه على وشك الإفلاس.” ثم يختم بمرارة: “أنا علي جار الله، ابن بني حشيش، أصبحت أنتظر الفرصة لمغادرة صنعاء والعمل خارج اليمن. الاستثمار هنا خطير جداً جداً، ولا تغركم شعارات الاكتفاء الذاتي والثورة الزراعية، فهي فخ يأكلك أنت وأموالك ساعة بحجة حق الدولة وساعة بحجة حق الله.”
هذه الشهادة تعكس مأزق جيل كامل يرى في الهجرة المنفذ الوحيد للنجاة من واقع خانق. فبينما تتبخر الأحلام داخل الوطن تحت وقع الجبايات والبطش الإداري، تظل الهجرة – رغم مخاطرها – الخيار الأكثر إغراءً لشباب يبحثون عن كرامة ولقمة عيش خارج الحدود.
خيارات محدودة ومؤلمة
في ظل استمرار هذا النهج، يجد الشباب اليمني نفسه أمام خيارات لا تقل قسوة عن بعضها:
- الانضمام إلى جبهات القتال: حيث يستغل الحوثيون الحاجة الاقتصادية لتجنيد الشباب.
- الهجرة غير الشرعية: البحث عن فرص خارج البلاد بطرق محفوفة بالمخاطر.
- اليأس والمخدرات: الهروب من الواقع عبر سلوكيات مدمرة.
- الأنشطة غير القانونية: اللجوء إلى طرق مشبوهة لكسب العيش.
تثبت الوقائع أن التضييق على المشاريع الخاصة في صنعاء لم يعد مجرد قرارات إدارية متفرقة، بل أصبح سياسة ممنهجة تُستخدم كسلاح سياسي واقتصادي في آن واحد. ومع استمرار الانهيار الاقتصادي، تبدو آفاق الشباب مسدودة، بينما تتحول أحلامهم إلى تضحيات غير مثمرة.
إن ما يجري لا يهدد مستقبل جيل كامل فقط، بل يضع الاقتصاد اليمني برمته أمام كارثة متواصلة، حيث يقتل الإبداع في مهده، وتتحول الطاقات الشابة من عنصر بناء إلى ضحايا لسياسات القمع والابتزاز.



