كتب م/ طارق حسان
خبير بقضايا البيئة والتغيرات المناخية
مقدمة: صدى الالتزامات في زمن المحن
في عالم يتسارع فيه إيقاع التحديات البيئية، تبرز الاتفاقيات الأممية كمنارات هادية ترسم مسارًا نحو مستقبل أكثر استدامة. هذه المواثيق الدولية، التي تُعد تجسيدًا لإرادة جماعية في صون كوكبنا، تفرض على الدول الموقِّعة عليها التزامات تتجاوز حدود السيادة الوطنية، لتُلامس جوهر المسؤولية المشتركة تجاه الأجيال القادمة. بَيْدَ أن الواقع غالبًا ما ينسج خيوطًا مغايرة، فبعض الأمم، التي ترزح تحت وطأة ظروف استثنائية، تجد نفسها في مواجهة معضلة الوفاء بتلك التعهدات السامية.. اليمن، بتعقيداته الجيوسياسية ومحَنه الإنسانية، يقدِّم نموذجًا صارخًا لهذه المعضلة، حيث يتجلى فشل الالتزام بالاتفاقيات البيئية الأممية، وغيرها من الصكوك الدولية، كمرآة تعكس تدهورًا بيئيًا عميقًا؛ نتاجًا لتظافر عوامل قاهرة.
تتصدى هذه المقالة لسبر أغوار الأسباب الكامنة وراء هذا الإخفاق اليمني في مضمار الالتزامات البيئية الدولية، مسلِّطةً الضوء على التحديات الجسيمة التي تعصف بالبلاد. كما تستعرض نماذج مضيئة لدول استطاعت أن تُحرز تقدمًا ملموسًا في هذا المضمار، مستلهمةً من تجاربها دروسًا قيّمة قد تُمهد الطريق أمام اليمن نحو فجر بيئي أكثر إشراقًا، حالما تتبدد غيوم الصراع وتستقر الأوضاع.
إنها دعوة للتأمل في مفارقة الالتزام النظري والواقع المرير، وبحث عن بصيص أمل في خضم أزمة بيئية تتطلب تضافر الجهود وتجديد الرؤى.
اليمن والاتفاقيات البيئية الأممية: تعهدات محفورة على رمال الواقع

لقد خطَّ اليمن، كغيره من الأمم، اسمه على صفحات عدد من الاتفاقيات البيئية الدولية البارزة، في إشارة ضمنية إلى إدراكه لأهمية صون البيئة ومواردها الطبيعية. تتجلى هذه التعهدات في توقيعه على مواثيق عالمية مثل اتفاقية التنوع البيولوجي التي تهدف إلى حماية فسيفساء الحياة على الأرض وضمان استدامة مكوناتها، واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر التي تسعى لمواجهة زحف الصحراء وتخفيف وطأة الجفاف في الأراضي التي أنهكها العطش والتصحر. كما التزم اليمن باتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ واتفاق باريس، اللتين ترميان إلى لجم جماح انبعاثات الغازات الدفيئة، وصولًا إلى مستوى يحول دون إحداث اضطراب كارثي في نسيج المناخ الكوني. ولم يغفل اليمن عن بروتوكول مونتريال بشأن المواد المستنفدة لطبقة الأوزون، الذي يُمثِّل درعًا واقيًا لطبقة الأوزون من خلال تنظيم صارم لإنتاج واستهلاك المواد التي تهددها، بالإضافة إلى اتفاقية التجارة الدولية بأنواع الحيوانات والنباتات البرية المهددة بالانقراض التي تضمن ألا تتحول التجارة الدولية في الكائنات البرية إلى مسمار في نعش بقائها.. ومؤخرًا، انضم اليمن إلى معاهدة أعالي البحار، في خطوة تعكس تطلعًا لحماية التنوع البيولوجي في أعماق المحيطات، بعيدًا عن حدود السيادة الوطنية [1].
على الرغم من هذه التوقيعات التي تُزيّن سجل اليمن الدبلوماسي، إلا أن الواقع على الأرض يروي حكاية أخرى، حكاية فجوة عميقة تفصل بين الالتزامات النظرية والقدرة الفعلية على ترجمتها إلى ممارسات ملموسة. فالجمهورية اليمنية، التي تعيش فصولًا من التحديات الداخلية والخارجية غير المسبوقة، تجد نفسها مكبلة الأيدي، عاجزةً عن الوفاء بمتطلبات هذه الاتفاقيات، مما يلقي بظلاله القاتمة على بيئتها، ويزيد من حِدة أزماتها المتفاقمة.
التحديات والمعوقات: عاصفة تضرب صمود البيئة
إن الأسباب التي قادت اليمن إلى هذا المنزلق البيئي ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج تضافر عوامل معقدة ومتشابكة.
يُمثّل الصراع المسلح الدائر في اليمن منذ عام 2014 المحرك الأبرز للتدهور البيئي والإنساني، حيث ألقت هذه الحرب بظلالها الكثيفة على كل مناحي الحياة، مخلفةً وراءها دمارًا بيئيًا واسع النطاق. لقد تحولت محطات معالجة المياه والصرف الصحي، وشبكات الطاقة، ومرافق إدارة النفايات إلى ركام، مما أطلق العنان لموجات من التلوث العشوائي الذي طال المياه والتربة والهواء، مهددًا صحة الإنسان والنظم البيئية على حد سواء. كما دفعت ويلات الحرب الملايين إلى النزوح القسري، ليجدوا أنفسهم في مناطق تعاني أصلاً من شح الموارد، مما فرض ضغطًا لا يُطاق على الموارد الطبيعية المحدودة، وزاد من حجم النفايات، وعرقل تقديم الخدمات البيئية الأساسية، ففاقم من الأزمة البيئية والإنسانية [2]. ولم تقتصر آثار الحرب على الدمار المادي، بل امتدت لتشمل تلوثًا بيئيًا خطيرًا ناجمًا عن استخدام الأسلحة، وتدمير المنشآت الصناعية، وتسرب النفط والمواد الكيميائية، هذه الملوثات السامة تتسلل إلى التربة والمياه، مهددةً التنوع البيولوجي وصحة المجتمعات المحلية. وفي ظل غياب سلطة الدولة وضعف الرقابة، أصبحت المناطق المحمية والمواقع ذات الأهمية البيئية فريسة سهلة للتدمير والاستغلال غير المشروع، مما يُهدد بفقدان، لا رجعة فيه، لثروات اليمن الطبيعية.
يتربع اليمن على قائمة الدول الأكثر معاناة من ندرة المياه، وهي أزمة تتفاقم بفعل عوامل متعددة. يعتمد اليمن بشكل شبه كلي على المياه الجوفية، وقد أدى الاستخراج المفرط لأغراض الزراعة والشرب إلى هبوط كارثي في مستويات المياه الجوفية، مما ينذر بنضوبها في العديد من المناطق، ويهدد الأمن المائي للبلاد [3].
يلقي تغير المناخ بظلاله القاتمة على أزمة المياه، فزيادة وتيرة وشدة الجفاف، وتغير أنماط هطول الأمطار، وارتفاع درجات الحرارة، كلها عوامل تزيد من معدلات التبخر وتُفاقم من شح المياه. ويفتقر اليمن إلى استراتيجيات فعالة لإدارة موارده المائية، بما في ذلك حصاد مياه الأمطار، وإعادة تدوير المياه، وتنظيم استخدامها في القطاعات المختلفة، مما يزيد من هدر هذا المورد الحيوي.
إلى جانب ندرة المياه، يعاني اليمن من طيف واسع من أشكال التدهور البيئي. يتمدد التصحر في اليمن بلا هوادة، مدفوعًا بالجفاف، وإزالة الغابات، والرعي الجائر، مما يؤدي إلى فقدان الأراضي الصالحة للزراعة وتآكل التنوع البيولوجي. وينجم تلوث التربة والمياه عن سوء إدارة النفايات الصلبة والسائلة، والاستخدام المفرط للمبيدات الحشرية والأسمدة الكيميائية في الزراعة، مما يلوث التربة والمياه الجوفية والسطحية، ويهدد صحة الإنسان والأنظمة البيئية. كما تعاني السواحل اليمنية من وطأة التلوث الناتج عن الصرف الصحي والنفايات الصناعية، بالإضافة إلى الصيد الجائر وتدمير الشعاب المرجانية، مما يهدد الثروة السمكية والتنوع البيولوجي البحري، ويقوض سبل عيش المجتمعات الساحلية.
تُعد المؤسسات الحكومية المعنية بالبيئة في اليمن ضعيفة وهشة، وغير قادرة على الاضطلاع بمهامها بفعالية، وذلك بسبب إطار قانوني معطل، حيث يظل تطبيق القوانين البيئية حبرًا على ورق في ظل غياب آليات التنفيذ والرقابة الفعالة. وتعاني المؤسسات البيئية من نقص حاد في التمويل والكوادر البشرية المدربة، مما يعيق قدرتها على تنفيذ المشاريع والبرامج البيئية الحيوية. وينخر الفساد في جسد هذه المؤسسات، مؤثرًا على تخصيص الموارد وتنفيذ المشاريع، مما يزيد من تفاقم المشكلات البيئية ويقوض جهود الحفظ. ويؤدي عدم الاستقرار السياسي إلى غياب رؤية واضحة وطويلة الأمد للسياسات البيئية، وتغير مستمر في الأولويات الحكومية، مما يُعرقل أيّ جهود جادة لحماية البيئة. يضاف إلى ذلك، ضعف الكادر الحكومي في المفاوضات البيئية الدولية، حيث يفتقر العديد من المفاوضين إلى التدريب المتخصص والخبرة اللازمة للتعامل مع التعقيدات الفنية والقانونية لهذه الاتفاقيات، مما يحد من قدرة اليمن على تمثيل مصالحها البيئية بفاعلية على الساحة الدولية، ويجعلها عرضة لعدم الوفاء بالتزاماتها بسبب نقص الكفاءة التفاوضية.
ويُعد الوعي البيئي في اليمن منخفضًا بشكل عام، مما يُترجَم إلى ممارسات ضارة بالبيئة على مستوى الأفراد والمجتمعات.
يفتقر الكثيرون إلى المعرفة بأهمية الحفاظ على البيئة وتأثير التدهور البيئي فيحياتهم وصحتهم، مما يجعلهم شركاء غير مقصودين في تدمير بيئتهم.
يضاف إلى كل هذه التحديات، عدم قدرة اليمن على احتواء التمويلات المخصصة للقضايا البيئية والتغيرات المناخية وباقي الاتفاقيات الدولية. فبالرغم من وجود آليات تمويل دولية لدعم الدول النامية في جهودها البيئية، إلا أن اليمن يواجه صعوبات جمة في الوصول إلى هذه التمويلات واستيعابها وإدارتها بفعالية. يعود ذلك إلى عدة أسباب متداخلة، منها ضعف البنية المؤسسية والقدرات الفنية اللازمة لإعداد المقترحات الفنية المتوافقة مع معايير الجهات المانحة، وغياب الشفافية والمساءلة في إدارة الموارد، مما يثير مخاوف المانحين بشأن فعالية استخدام الأموال. كما أن عدم الاستقرار السياسي والصراع الدائر يعيقان تدفق المساعدات والتمويلات، ويجعلان من الصعب تنفيذ المشاريع البيئية على الأرض، مما يؤدي إلى حرمان اليمن من فرص حيوية لتعزيز قدراته في مواجهة التحديات البيئية الملحّة.
نماذج مضيئة: منارة الأمل في بحر التحديات

لإضفاء منظور أعمق على التحديات اليمنية، يجدر بنا أن نلقي نظرة على تجارب دول أخرى، استطاعت أن ترسم مسارًا نحو النجاح في مضمار حماية البيئة والالتزام بالاتفاقيات الدولية، رغم تباين ظروفها. هذه النماذج لا تقدِّم مجرد مقارنات، بل هي منارات أمل يمكن لليمن أن يستلهم منها، عندما تتهيأ الظروف المواتية. تقف ألمانيا شامخة كنموذج عالمي يُحتذى به في حماية البيئة والتحول نحو الطاقة المتجددة، فقد استثمرت هذه الأمة بشكل استراتيجي في التكنولوجيا الخضراء، وأرست دعائم قوانين بيئية صارمة، وعززت وعيًا بيئيًا متجذرًا في نسيج مجتمعها. إن التزامها الفعال بالاتفاقيات الدولية وسعيها الدؤوب لتحقيق أهدافها البيئية يضعها في مصاف الدول الرائدة [4]. وتُعرف السويد بكونها رائدة في مجال الاستدامة والسياسات البيئية الطموحة، فقد حققت إنجازات لافتة في إدارة النفايات، وتطوير الطاقة المتجددة، وصون التنوع البيولوجي، ويعود الفضل في هذا النجاح إلى إرادة سياسية راسخة، ومشاركة مجتمعية فاعلة، وروح ابتكارية لا تعرف الكلل [5]. وتُعد الدنمارك مثالًا ساطعًا في مجال العمل المناخي، فقد وضعت أهدافًا جريئة لخفض الانبعاثات، واستثمرت بسخاء في طاقة الرياح، وشجعت على ثقافة التنقل المستدام عبر الدراجات الهوائية والنقل العام، ويعكس نجاحها التزامًا حكوميًا وشعبيًا عميقًا تجاه القضايا البيئية، مما يجعلها مصدر إلهام حقيقي [6]..
تُبرهن هذه الأمثلة أن النجاح في الالتزام بالاتفاقيات البيئية ليس ضربًا من ضروب الخيال، بل هو ثمرة مزيج متناغم من الإرادة السياسية الصادقة، والإطار القانوني المتين، والقدرات المؤسسية المتطورة، والوعي المجتمعي المتنامي، والاستثمار الرشيد في الحلول المستدامة. هذه هي ذات العوامل التي يفتقر إليها اليمن في الوقت الراهن؛ نظرًا للظروف الاستثنائية التي يمر بها، والتي تحُول دون تحقيق طموحاته البيئية.
الكوادر الشابة: طاقة متجددة لمستقبل بيئي واعد

إن إشراك الكوادر الشابة في دهاليز المفاوضات البيئية وميادين العمل البيئي ليس مجرد خيار تكتيكي، بل هو ضرورة استراتيجية لضمان استدامة الجهود وقطف ثمار النتائج المرجوة. فالشباب، بما يمتلكونه من طاقة متجددة، ووعي متزايد بالقضايا البيئية، وقدرة فذة على الابتكار وتجاوز الأطر التقليدية للتفكير، يمثّلون وقودًا لا ينضب للتغيير الإيجابي. وهم، بحكم كونهم الفئة الأكثر عرضةً لتداعيات التدهور البيئي، يغدون أصحاب مصلحة أصليين في نسج خيوط الحلول المستدامة.
لقد أدركت العديد من الدول والمنظمات الدولية هذه الحقيقة الجوهرية، فسعت جاهدة لدمج الشباب في صلب عمليات صنع القرار والمفاوضات البيئية. تتجلى هذه الرؤية في نماذج عالمية ملهمة، فالأمم المتحدة لم تكتفِ بالاعتراف بدور الشباب، بل تجاوزت ذلك إلى إنشاء مجموعات استشارية متخصصة للشباب في مجال تغيُّر المناخ، وعملت على تمكينهم من المشاركة الفاعلة في مؤتمرات الأطراف (COPs) والمسارات الدبلوماسية المعقدة [7]. ويُعد تخصيص يوم للشباب والأجيال المستقبلية في هذه المؤتمرات بمثابة شهادة على الأهمية المتزايدة لقوّتهم ومشاركتهم [8]. وفي خطوة استباقية، نظمت أمانة الكومنولث برامج تدريبية مكثفة لمفاوضي المناخ الشباب، بهدف صقل مهاراتهم وزيادة مشاركتهم الهادفة في المفاوضات الدولية، وتضمنت هذه البرامج محاكاة واقعية للمفاوضات، مما أعد الشباب لخوض غمار الدبلوماسية البيئية بكفاءة واقتدار [9]. وتجسيدًا لرؤية تمكين الجيل القادم، انطلقت أكاديمية المفاوضين الشباب في عام 2022، لتكون حاضنة لتزويدهم بالمعارف والمهارات اللازمة للمشاركة الفعالة في المفاوضات البيئية العالمية.
تُبرهن هذه النماذج أن الدول والكيانات التي تولي اهتمامًا خاصًا لإشراكالشباب في قضايا البيئة والمفاوضات، تحصد ثمارًا يانعة في هذا المجال. فمنخلال الاستثمار في التدريب، وتوفير المنصات المناسبة، وفتح آفاق الفرص أمامالشباب، يمكن بناء جيل جديد من القادة والمفاوضين البيئيين، الذين يمتلكونالرؤية والقدرة على مواجهة التحديات المستقبلية بفاعلية.
وفي هذا السياق، لا يفوتنا أن نشيد بالدور الرائد والمشرِّف الذي تلعبه المملكةالعربية السعودية، والتي برزت كنموذج يُحتذى به في تمكين الكوادر الشابةفي مجال المفاوضات الدولية، بما في ذلك الاتفاقيات الأممية المتعلقة بالبيئةوالتغيرات المناخية. لقد استثمرت المملكة بشكل كبير في بناء قدرات شبابها،وتزويدهم بالمعارف والمهارات اللازمة لخوض غمار الدبلوماسية البيئية بفاعليةواقتدار. هذا الالتزام بإشراك الشباب في صلب عمليات صنع القراروالمفاوضات يعكس رؤية استراتيجية بعيدة المدى، تهدف إلى ضمان استدامةالجهود الوطنية في حماية البيئة، وتعزيز مكانة المملكة على الساحة الدوليةكشريك فاعل ومسؤول في مواجهة التحديات البيئية العالمية.
أما بالنسبة لليمن، فإن دمج الكوادر الشابة في نسيج الجهود البيئيةوالمفاوضات الدولية يمكن أن يحدث تحولًا نوعيًا على المدى الطويل. فبرغم قسوةالظروف التي تمر بها البلاد، يمتلك الشباب اليمني طاقات كامنة وإمكاناتهائلة، يمكن توظيفها لبناء مستقبل بيئي أكثر إشراقًا. يتطلب ذلك رؤيةاستراتيجية ترتكز على الاستثمار في التعليم البيئي عبر دمج القضايا البيئيةفي صلب المناهج الدراسية، وتوفير برامج تدريبية متخصصة للشباب فيمجالات حيوية كإدارة الموارد، والطاقة المتجددة، واستراتيجيات التكيف مع تغيرالمناخ. كما يتطلب توفير منصات للمشاركة الفاعلة من خلال إنشاء منتدياتومجموعات شبابية بيئية، ودعم المبادرات الشبابية الرائدة في حماية البيئة علىالمستويين المحلي والوطني، لتمكينهم من ترجمة أفكارهم إلى واقع ملموس. والأهم من ذلك، تمكين الشباب في الوفود الرسمية، عبر إشراك الكفاءات الشابةالمؤهلة في الوفود اليمنية المشاركة في المفاوضات البيئية الدولية، ومنحهممساحة حقيقية للمساهمة بفاعلية في صياغة المواقف الوطنية، ليكون صوتهممسموعًا في المحافل الدولية.
إن الاستثمار في الكوادر الشابة ليس مجرد خيار ترفي، بل هو ضرورةاستراتيجية قصوى لليمن، لضمان قدرته على مواجهة التحديات البيئية المعقدةفي المستقبل، والوفاء بالتزاماته الدولية، وتمهيد الطريق نحو بناء مجتمع أكثراستدامة ومرونة.
خاتمة وتوصيات: نحو فجر بيئي جديد

إن إخفاق اليمن في الوفاء بالتزاماته البيئية الأممية ليس وليد تقاعس أو عدم اكتراث، بل هو انعكاس صادق لواقع معقد ومأزوم تعيشه البلاد. فالصراع المسلح الذي ما يزال يلقي بظلاله القاتمة، والأزمة الإنسانية التي يئن تحت وطأتها الملايين، وندرة المياه التي تنهش الأرض، وضعف المؤسسات الذي يعيق أيّ تقدم، كلها عوامل تضافرت لتُشكّل بيئة طاردة لأيّ مسعى بيئي جاد.
ومع ذلك، فإن بصيص الأمل يظل يلوح في الأفق، مشيرًا إلى إمكانية تحسين الوضع البيئي في اليمن على المدى الطويل، شريطة أن ترتكز الجهود المستقبلية على محاور استراتيجية.
لا يمكن الحديث عن أيّ تقدم بيئي مستدام دون إرساء السلام كركيزة أساسية، فالسلام هو المفتاح الذي سيفتح الأبواب أمام إعادة بناء البنية التحتية المدمرة، وتفعيل المؤسسات المعطلة، وتوجيه الموارد الشحيحة نحو مسارات التنمية المستدامة. ويتوجبُ على اليمن أن يستثمر في بناء قدرات مؤسساته الحكومية المعنية بالبيئة، وهذا يتطلب برامج تدريب مكثفة للكوادر البشرية، وتوفير الموارد المالية والتقنية اللازمة، وتطوير أطر قانونية وتنظيمية حديثة وفعالة، تضمن تطبيقًا صارمًا للتشريعات البيئية.
وفي بلد يعاني من العطش المزمن، يصبح تطوير استراتيجيات مستدامة لإدارة المياه أمرًا حتميًا، ويشمل ذلك الاستثمار في تقنيات حصاد مياه الأمطار، وإعادة تدوير المياه الرمادية، وتحلية المياه، بالإضافة إلى وضع ضوابط صارمة لتنظيم استخدام المياه في القطاعات الزراعية والصناعية، لضمان استدامة هذا المورد الحيوي. ولا يمكن تحقيق التغيير المنشود دون تنمية الوعي البيئي لدى جميع شرائح المجتمع، ويجب إطلاق حملات توعية شاملة ومبتكرة، تستهدف الأفراد والمجتمعات، لتعريفهم بأهمية حماية البيئة، وتأثير الممارسات الضارة في صحتهم ومستقبلهم، وتشجيعهم على تبنّي سلوكيات مستدامة.
وأخيرًا، يحتاج اليمن إلى دعم دولي غير مشروط، سواء أكان ماليًا أم فنيًا؛لمساعدته على تجاوز محنته البيئية، ويجب على المجتمع الدولي أن يمد يد العون لليمن في إعادة بناء قدراته البيئية، وتمكينه من الوفاء بالتزاماته الدولية، والمساهمة في الجهود العالمية لحماية الكوكب.
إن حماية البيئة في اليمن ليست مجرد ترف يمكن تأجيله، بل هي ضرورة وجودية تضمن بقاء الأجيال القادمة وصحتها ورفاهيتها. وعلى الرغم من حجم التحديات الهائلة التي تواجهها البلاد، فإن الأمل يكمن في إشراقة السلام، وتضافر الجهود المحلية والدولية، والاستثمار في بناء القدرات، ليرسم اليمن بذلك ملامح مستقبل بيئي أفضل، يتجاوز فيه مرارة الماضي، ويحتضن آمال الغد.
المراجع:
[1] Yemen Signs High Seas Treaty to Protect Marine Biodiversity. (2025, June 10). Saba News Agency. https://www.sabanew.net/story/en/130268
[2] Yemen’s Environmental Crisis: The Forgotten Fallout of an Enduring Conflict. (2023, June 15). Arab Reform Initiative. https://www.arab-reform.net/publication/yemens-environmental-crisis-the-forgotten-fallout-of-an-enduring-conflict/
[3] Challenges and solutions in water management: a comprehensive study of Yemen’s water policies and practices. (2025, February 14). IWA Publishing. https://iwaponline.com/wp/article/27/3/317/107090/Challenges-and-solutions-in-water-management-a
[4] Which Countries Have The Strictest Environmental Laws?. (2023, October 12). The Lawyer Portal. https://www.thelawyerportal.com/blog/which-countries-have-the-strictest-environmental-laws/
[5] 3 Leading Countries in Climate Policy. (2023, March 1). Earth.Org. https://earth.org/countries-climate-policy/
[6] 3 Leading Countries in Climate Policy. (2023, March 1). Earth.Org. https://earth.org/countries-climate-policy/
[7] The Youth Advisory Group on Climate Change – the United Nations. https://www.un.org/en/climatechange/youth-in-action/youth-advisory-group
[8] Youth at UNFCCC Conferences. https://unfccc.int/topics/education-and-youth/youth/youth-engagement/youth-for-climate-action-youth-unfccc-conferences




