رئيسيشُرْفة

الحراك الشبابي الذي أينع ثورة 26 سبتمبر

كتب: عاصم الشميري – رئيس التحرير

 

إذا كانت ثورة السادس والعشرين من سبتمبر/ أيلول هي أعظم حدث أنتجته اليمن في القرن العشرين، فإن تلك الثورة لم تأتِ من فراغ، وإنما جاءت كاستجابة للحاجة الشعبية الملحة، ونتيجة لتعاظُم الفساد الذي كان قد بلغ ذروته، ونتيجة لقوة الحسّ بذلك الفساد ومحاولة تجاوزه.. وبالتالي كل ثورة تكون مسبوقة بأسباب تُعبّد طريقها وتحتم مجيئها، وتلك هي عوامل الثورة السبتمبرية، وعوامل كل ثورة في العالم.

وإذا كانت الثورة إرادة شعبٍ نفذها بعض أبنائه، وتعسكر تحت رايتها كل أبنائه، فإن الحراك الشبابي الذي سبق ثورة سبتمبر كان بمثابة النواة الأولى التي شكلت وعي الثورة.

في يونيو 1962، أي قبل الثورة بثلاثة أشهر، خرجت مظاهرة طلابية عارمة في صنعاء اشترك فيها طلاب دار العلوم وطلاب مدارس الثانوية والمتوسطة ودار المعلمين والتحضيرية.

حاول الشباب الطلابي اقتحام الكلية الحربية وأرادوا اكتساح الإذاعة، وبرهنوا على أن مظاهرتهم تمثل إرادة الشعب.. وبعد ثلاثة أشهر من تلك التظاهرة، انفجرت ثورة السادس والعشرين من سبتمبر، مستجيبة لذلك النداء الذي أطلقه الشباب الذين تسمّوا بالمقاومة الشعبية، وتصدى لهم جيش النظام الإمامي، وقاتلوا في عدة جبهات، فكانوا هم الذين شكلوا مع عمال مصنع الغزل نواة تلك المقاومة.

في كتابه “الثقافة والثورة” يشير الأستاذ عبدالله البردوني إلى أن الحركة الطلابية كان أصحابها في طليعة ثوار السادس والعشرين من سبتمبر، حيث كان هؤلاء الطلاب في مطلع الخمسينيات من طبقتين، فغالبية طلاب دار العلوم من أبناء الموظفين الكبار ومن البيوت العالية والتي تليها، وكان طلاب الثانوية والمتوسطة ودار المعلمين والتحضيرية بصنعاء، وطلاب المدرسة الأحمدية بتعز، والمتوسطة بحجة والحديدة من طبقتين متقاربتين، من صغار الموظفين، ومن أبناء الباعة وأصحاب الحرف.

أما البعثات التي بدأت من منتصف الأربعينيات فكانت تتشكل من النابهين أو الأوائل من كل المدارس، وفي منتصف الخمسينيات بدأت طلائع المبعوثين بالتخرج، فتزايد أعداد الفارّين إلى الخارج عن طريق عدن، وعن طريق السعودية. وكان الاتحاد اليمني في القاهرة يتلقى هؤلاء الفارّين، ويسعى لالتحاقهم بالمعاهد والكليات والثانويات بمصر، وكان هذا الفرار آية على التحول الاجتماعي، إذ تزايد الميل إلى التعليم الحديث، لغياب تحديث التعليم في الداخل، فعوض الشباب الذين لم يتمكنوا من الفرار أو الابتعاث الرسمي بالتثقف الذاتي، إذ وفر الخريجون كميات من الكتب السياسية والثقافية التي كانت تثمرها مطابع القاهرة وبيروت.

في عام 57 افتُتحت مكتبة بني غازي في تعز، فاستوردت من عدن الكثير من الكتب إلى جانب المجلات، فتيسر التثقف الذاتي الذي كان يتطلب جهودًا شخصية لعدم استناده إلى تعليم قوي، ثم توالى افتتاح المكتبات في صنعاء (مكتبة الجيل الجديد، ومكتبة عبدالله الخولاني… إلخ)، وكان الطلاب يشتركون في شراء الكتاب أو الكتابين، ثم يمتد الانتفاع منه إلى غير المشاركين عن طريق الإعارة، وبهذا بدأ يتغير مفهوم الطلاب والمجتمع عامة بفضل وافدات الثقافة المسموعة عن طريق المذياع إلى جانب الثقافة المقروءة. وكانت الثقافة السماعية أعم؛ لأنها تشمل المتعلم والأمي، المدني والريفي، فأخذ الحسّ بالتمايز يتلاشى بين طلاب دار العلوم وطلاب المدارس الأخرى، وتبدّى ذلك الجيل الشاب واسع الاهتمام بتوحيد القوى الطلابية وإزالة الفروق بين المدارس والشرائح والقضاء على العادات السيئة كمضغ القات، إذ كان أولئك الشبان من أوائل الذين امتنعوا عن تناول القات اختيارًا، مستبدلين ذلك بالرياضة والقراءة، لأن الهمّ الوطني اجتاح الكل، كما أن حدس التغيير تهاجس في كل النفوس الشابة،

فانتظم أعداد من الطلاب في التنظيمات السرية المتعددة الانتماء، والموحدة الفكر الوطني والفكر العربي، وساعد على متابعة التحول تفجّر الأحداث في العالم ومتابعة التثقف. وكان ذلك التفجر يترك صدى في اليمنيين عامة، وفي الطلاب بوجه أخص، لأنهم كانوا مفتوحي القابليات، فقد اشتعلت مظاهرات طلابية شبابية في صنعاء وتعز احتجاجًا على العدوان الثلاثي على مصر عام 56.

وفي عام 58 أعيد فتح الكلية الحربية التي أُغلقت عام 48، كما افتُتحت كليتَيّ الطيران والشرطة، فكان أغلب الملتحقين بهذه الكليات من طلاب دار العلوم والثانوية ودار المعلمين والتحضيرية، فأعدت هذه الكليات مجتمعةً ثورة السادس والعشرين من سبتمبر. ولما تحول أولئك الطلاب إلى ثُوار، أصبح من كانوا طلابًا في المدارس المدنية قواعد جماهيرية للثورة، وحماة لرايتها.

فهؤلاء الطلاب الذين تظاهروا في عام 56 ضد العدوان الثلاثي على مصر، تحولوا إلى طلاب كليات عسكرية وأمنية، ثم كانوا الثوار، وكان الذين حلوا محلهم في صفوف الثانوية والمتوسطات هم طليعة شعب الثورة لأنهم استقبلوا الثورة بالمظاهرات الترحيبية، وبالأخص في تعز.

أما مظاهرة صنعاء فمنع قيامها حظر التجول في الساعات الأولى من قيام الثورة.

ولما تألبت الهجمات الاستعمارية والرجعية على ثورة سبتمبر تلاحقت أفواج الشباب إلى معسكر الثورة، فشكلوا يومذاك ما يسمى بالحرس الوطني الذي أسس قواعد الجيش الجمهوري، والذي جاءت جموعه من كل بيوت الشعب في شطري اليمن.

فعلى مدى عشرين عامًا تدفق التيار الطلابي الشبابي في مجرى الثورة منذ كانت إمكانًا إلى أن صدعت حقيقةً، إلى أن استنفرت بنيها للذود عنها، فكانوا جواب النداء ومحاصري الحصار في حرب السبعين يومًا، التي تألقت ثورة من ثورة، وأتمت شوط النصر الذي استُهلّ يوم الـ26 من سبتمبر 1962.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى