دهليزرئيسي

قصص نضالية لثائرات 14 أكتوبر

شباب هاوس

لم تكن المرأة في جنوب اليمن أقل كفاحًا ولا نضالاً في مواجهة الاستعمار البريطاني، بل لقد حملت البندقية جنبًا إلى جنب مع أخيها الرجل، وشاركت في العمليات المسلحة وفي خنادق القتال بكل بطولة واقتدار، لتصنع غدها المشرق وتطرد الاحتلال عن أرضها، وتصنع لأجيالها ملحمة بطولية فذة.

في هذا التقرير نستعرض جوانب من حياة وتاريخ بعض أولئك المناضلات اللواتي سطّرن ملاحم الفداء، وشاركن باقتدار في صنع ثورة أكتوبر المجيدة.

دعرة سعيد.. المرأة البركان

قتل الإنجليز أخاها فقررت الثأر له، وفي سبيل ذلك باعت مجوهراتها وحليّها، واشترت بثمنها بندقية، ثم حلقت شعرها ولبست ملابس الرجال وشاركت الثّوار في الانتفاضات ضد الاستعمار البريطاني.

في معركة واحدة قتلت دعرة سعيد عباد العضب (39) جنديًّا بريطانيًّا، وفي معركة أخرى أسقطت في الحبيلين طائرة هيلوكوبتر، وقتلت العش

رات من جنود الاحتلال.

شاركت رجال ردفان في القتال إلى جا

نب ثورة 26 سبتمبر، وقاتلت بشجاعة في جبال المحابشة، وفي حصار السبعين، كما شاركت في ثورة 14 أكتوبر ببسالة منقطعة النظير.

صنّفها الإنجليز بـ”أخطر إرهابية في العالم”، وعرضوا مبلغ مائة ألف شلن لمن يدلي بمعلومات عنها.

لقّبها المستشرق الروسي “نؤوفكين” بـ”الذئبة الحمراء”، و”المرأة البركان”، ووصفها بـ”المرأة الحديدية” التي لا تعرف الخوف.

كرّمها الزعيم جمال عبدالناصر بوسام الجمهورية ومنحها رتبة ملازم، كما كرمها الرئيس علي عبدالله صالح ومنحها رتبة عقيد.

دعرة التي وافتها المنية في العام 2002م، كرمها أيضا عدد من زعماء وقادة عالميين، أبرزهم كاسترو، وتيتو، وانديرا غاندي، وحصلت على وسام النجمة الحمراء من الرئيس برجنيف.

نجوى عبدالقادر.. الروح والمال فداءً للوطن

نجوى عبدالقادر مكاوي، ابنة عدن التي تميزت بالجسارة والشجاعة، وانتمت إلى القطاع النسائي لتنظيم الجبهة القومية لتحرير الجنوب اليمني المحتل.

كان لها دور ريادي في المظاهرات العارمة بمدينة عدن، وحولت منزلها الصغير في كريتر إلى مأوى لأعضاء التنظيم والفدائيين، وقدمت كل أشكال الدعم لهم، ماديًّا ولوجستيًّا.

وهبت نجوى الثورة كل ما تملك، وباعت 10 منازل كانت ملكًا لوالدها عبدالقادر مكاوي، التي كانت ابنته الوحيدة.

اعتقلت نجوى مع رفيقتها فوزية محمد جعفر أثناء توزيعهن منشورات ثورية في منطقة كريتر، وتعاملت معها قوات الاستعمار البريطاني بقسوة، وسحبت سيارتها بدبابة إلى مركز شرطة خور مكسر، لكن ذلك لم يُثنِها عن مواصلة الكفاح حتى تحققت الثورة، وحتى جلاء آخر جندي بريطاني من اليمن.

كانت مكاوي رفيقة للشهيد مهيوب علي غالب الشرعبي “عبود”، وعند استشهاده بجانب مسجد النور لم تتردد أو تخَف من الذهاب لأخذ جثته، لكن قوات الاستعمار رفضت تسليم الجثة، فما كان من مكاوي إلا أن قادت تظاهرة نسائية استطاعت اقتحام المكان الذي تتواجد فيه جثة عبود، وتمكنت من أخذها، ثم قامت بعمل جنازة مهيبة تليق بالشهيد.

“نعمة”.. المناضلة والمربية الفاضلة

زهرة هِبة الله، ابنة إحدى الأسر العدنية العريقة، وواحدة من أشهر رموز النضال الوطني، وزوجة المناضل الوطني البارز سلطان أحمد عمر.

كان والدها يملك مطبعة الفجر الجديد في كريتر، والتي وفرت لحركة الأحرار اليمنيين، خلال وجودهم في مدينة عدن، الكثير من إمكانات الدعم كطباعة صحفهم وأدبيات الأحرار، منذ المراحل المبكرة للعمل الوطني.

كان والدها على قدر من الثقافة والمعرفة، وأسرار العمل المطبعي، وكان شقيقها أحمد هبة الله واحدًا من أبناء هذه الأسرة المناضلين الشجعان والكوادر الكفؤة.

رضعت زهرة هبة العمل الثوري منذ نعومة اظفارها ما جعلها من أبرز قيادات العمل الوطني النسائي في جنوب اليمن، حيث قادت عددًا من المسيرات والمظاهرات التي كانت تعبّر عن غليان الشارع في مدينة عدن، ضد الوجود الاستعماري وسياسته المستبدة.

كغيرها من المناضلات فتحت منزلها مأوى للفدائيين وحولته إلى مخزن سلاح؛ ما جعلها عرضة للملاحقات والمضايقات، ورغم ذلك استمرت في مواجهة قوات الاحتلال البريطانية وعملاء الاستعمار.

بعد انتصار الثلاثين من نوفمبر، تبوأت زهرة مناصب قيادية في مراتب العمل الوطني في القطاع النسائي، وواصلت أداء واجبها الوطني عبر جبهة التعليم، فكانت مدرّسة ومديرة مدرسة تميزت بالصلابة وقوة الشخصية، ولم تشغلها حياتها الخاصة عن التأهيل العلمي، فالتحقت بالدراسة الجامعية في القاهرة ودمشق عن طريق الانتساب.

استمرت زهرة هبة الله، التي عُرفت باسمها التنظيمي “نعمة” إبان فترة الكفاح المسلح، وبأم فارس في ميدان التربية والتعليم، حتى آخر يوم في حياتها الذي أحزن كل من عرفها وتتلمذ على يديها، في 12 يناير 1986م.

أول خلية نسائية ثورية

تشكلت أول خلية سياسية نسائية لتنظيم الجبهة القومية في عدن من ثمان مناضلات، هنّ: “نجوى عبدالقادر مكاوي، فتحية باسنيد، نجيبة محمد عبدالله، عائدة علي سعيد، فوزية محمد جعفر، ثريا منقوش، فطوم الدالي، زهرة هبة الله (نعمة)”.

عُقد أول اجتماع للخلية النسوية في منزل المناضلة نجوى مكاوي في كريتر، أما الاجتماع الثاني فقد عقد في منزل المناضلة نجيبة محمد عبدالله في مدينة الشيخ عثمان.

كانت معظم القيادات النسائية البارزة من التربويات، اللواتي كنّ حريصات على تعليم جيل جديد من أبناء عدن معنى الوطنية والنضال الحقيقي في وجه الاستعمار.

شاركن في طليعة المسيرات والمظاهرات المطالبة بجلاء قوات الاحتلال البريطاني، وتصدّين لتلك القوات المدججة بالسلاح بكل شجاعة، إلى أن توِّج نضالهن بالنصر على الاحتلال البريطاني.

وتقديرًا للأدوار التي لعبتها المرأة مع أخيها الرجل في الثورة ضد الاحتلال البريطاني، صدر في الـ16 من فبراير 1968؛ قرار جمهوري بتشكيل الاتحاد العام لنساء اليمن كإطار تنظيمي انضوت في صفوفه نساء عدن ولحج وأبين، وكانت أول رئيسٍ له فوزية محمد جعفر.

في يوليو 1974م عقد الاتحاد مؤتمره الأول بمدينة سيئون في حضرموت، ليمتد نشاطه إلى بقية المحافظات الجنوبية خلال فترة نشوئه وتطوره، وقد عقد أربعة مؤتمرات عامة، ومؤتمرًا استثنائيًّا، هدفت كلها إلى تقييم تجربة المرأة النضالية على مختلف الأصعدة، وتحديدًا في ما يتعلق بالنشاط الجماهيري.

ملكة الشيباني.. جندية في متاريس الكرامة

من بين ركام الفقر، وانكسار العبودية، وتحت سياط المحتل البريطاني وجبروته، وآلاف العيون الخائفة، والأجسام المهترئة الجائعة، خرجت فتاة شابة دون سن العشرين، كشعلة متقدة، لتصنع مع رفاقها شبيبة وطلبة عدن وأحرارها، مجدًا تليدًا، تفخر به اليمن إلى عصورها الضاربة قدمًا.

“ملكة الشيباني” من حي “القاضي” في مدينة عدن القديمة كريتر، رفيقة نضال التحرير، وممهدة الثورة الأكتوبرية، وهي طالبة في مدرسة “البادري”، شاركت ضمن المجاميع في إعداد المنشورات المناهضة للاستعمار البريطاني، التي مهدت الطريق وأشعلت في عقول قارئيها الثورة والغضب.

وكانت تقوم بمساعدة أخيها فاروق بتوزيع المنشورات على أهالي حيّها، ودفعت الناس لرفض الخنوع لاستعمار باغٍ محتل، وكان لها التأثير بأن اندلعت المظاهرات المناوئة لبريطانيا، وما إن بدأت الاعتقالات حتى اتخذ المناضلون منزلها مأوى لهم.

شكلت مع زميلاتها الطالبات في مدرسة “البادري” جمعية خيرية لجمع الأموال والملابس والطعام وقمن بعملية التوزيع للسجناء والفقراء والقاطنين الكواخ الشعبية “العشش” في الأحياء الفقيرة، ومن هنا بدأت الشخصية الثورية لـ”ملكة الشيباني” تتكور ناصية السماء، ونذرت حياتها للدفاع عن الوطن.

كانت “ملكة” رمزًا للثائرات الشابات، وجندية في متاريس الكرامة والحرية، وشاركت الثوار، في نقل الأسلحة من مكان إلى آخر، وكان لأسرتها ووالديها الفضل في تشجيعها على المضي قدمًا في طريق الحرية والاستقلالية والرقي والتقدم.

اختيرت ضمن الوفد المفاوض لنيل الاستقلال والسيادة من المستعمر البريطاني في جنيف، تقديرًا لجهودها ونشاطاتها الوطنية البارزة وإتقانها اللغة الإنجليزية، حيث كانت الفتاة الوحيدة تحت سن العشرين حينها.

وكان الوفد برئاسة الرئيس الشهيد ’’قحطان الشعبي‘‘ أول رئيس لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، وضم الوفد كلًا من ’’عبدالفتاح اسماعيل‘‘ و’’فيصل الشعبي‘‘ و’’سيف الضالعي‘‘ و’’أحمد البيشي‘‘ و’’عشال‘‘ و’’عادل خليفة‘‘، وغيرهم من المناضلين.

قادها حلمها للتدرج التعلّمي، ابتداء من دراستها في مدرسة الميدان للبنات، والثانوية في معهد CONVENT SCHOOL ’’البادري‘‘، ثم الدراسة العليا بجامعة ’’بيزونفون‘‘ بفرنسا، بعد ذلك بالمعهد الدولي للإدارة ’’القسم الدبلوماسي‘‘، ثم أتمت دراستها في جامعة ’’السربون‘‘ ونالت الدكتوراه في العلوم السياسية، وانخرطت أيضًا في العمل في السفارة اليمنية بباريس.

ثائرات أكتوبر يباركن ثورة سبتمبر

عقب قيام ثورة 26 سبتمبر 1962 في شمال اليمن، سافر وفد نسائي مكون من أبرز المؤيدات والمساندات لثورة سبتمبر، يضم (ليلى الجبلي، رضية إحسان الله، عائدة على سعيد، فتحية محمد ناجي الصياد، خورشيد محمود خان، نعمة سلام)، إلى تعز لتهنئة المشير عبدالله السلال بانتصار الثورة.

بعد عودتهن تعرضت منازلهن للتفتيش، وتم اقتياد رضية إحسان الله، وخورشيد محمود، ونعمة سلام وزينب ذو الفقار إلى سجن كريتر، وسجنّ داخل غرفة وحُقق معهن، وبعد الإفراج عنهن واصل الاستعمار تضييق الخناق عليهن، وكان يستدعيهن للتحقيق داخل مراكز الشرطة التابعة له باستمرار، وفرض عليهن رقابة مشددة، وحين فشل في إخافتهن أعلن حالة الطوارئ في 11 ديسمبر 1962م.. لكن ذلك لم يمنع ثورة 14 أكتوبر من المضي قدمًا في طرد المستعمر البغيض، والحصول على الاستقلال.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى