رئيسيشُرْفة

مالهم؟

كتب/ جمال طه

في الباص المؤدي إلى الجحيم يجلسُ رجل في الخمسين من عمره جوار النافذة.. يتلفت بقلق ويتأفف بين لحظة وأخرى ثم يحاول إقناع الرُكاب الموتى بحاجته لإشعال سيجارة واحدة فقط الآن وفورًا.. يقول وهو يحاول تقليد لهجة المظلومين الجُدد القادمون من غبار التاريخ:
تسمحوا لي أدخن.. أنا تاعب .

يضحك شاب في منتصف العشرين بتهكم، ويقول:
هذا ما كان ينقصنا.. الباص بالكاد يمشي في هذا الشارع المُدمر.. شوارعنا أصبحت عبارة عن حُفرة كبيرة.. هه الحياة هنا بكلها حُفرة.. أفكر بالهجرة.. سأهرب قريبًا. انظر كيف نتقفز في أماكننا منذ خمس دقائق، تشعر وكأن الباص المتهالك يمشي بنا في مدرجات زراعية من الأعلى للأسفل.. تشعر وكأنه يتحرك بنصف رئة وأنت تريد أن تدخن.. التدخين ممنوع فوق الباص.
يصرخ السائق من المقدمة، ويقول بالفم المليان:
تغيرت التسعيرة بسبب أزمة البترول الجديدة.. أجر الراكب الواحد ارتفع إلى الضعف من هذه اللحظة، والتدخين ممنوع فوق الباص.
تشد امرأة في منتصف الثلاثين طفلها ذا الخمسة أعوام من جانبها وتضعه في حضنها، وتتحدث بقلق، موجهة حديثها للسائق:
انظر.. ولدي في حضني.. يوجد مكان لراكب إضافي.. لن أدفع سوى أجر راكب واحد.. ابحث عنه ولو أنني أظن بأنك لن تجد أحد هنا.. الله لا فتح لك باب أنت والجماعة.
وأنت لا تفكر أبدًا بالتدخين.. التدخين ممنوع فوق الباص، ولدي مريض.. هل ترى كيف أن وجهه شاحب.. هل ترى جسده النحيل؟ الله لا فتح لك باب أنت ومن هم سبب جوعنا.
يكح راكب في المقعد الأخير.. رجل في الأربعين من عمره.. يرتدي قميصًا كحليًّا بأزرار سماوية، وبنطلون جينز رمادي، ونظارة شمسية كبيرة.. كبيرة للغاية.. يكح بشده ويقول موجهًا كلامه لسقف الباص :
لن أدفع.. البلد تنهار، وأوروبا أيضًا تنهار، والعالم ينهار.. ستحل الفوضى الأخيرة قريبًا.. أعاني من الربو، والتدخين ممنوع فوق الباص.. كنت في السابق مدخنًا شرهًا، لكنني توقفت عن التدخين خوفًا من الموت في سن مبكر.. من سيهتم بأطفالي؟ توقفت عن التدخين كي لا ينتهي بهم المطاف في جبهات القتال.. أولاد الفقراء في هذه البلاد صيد سهل للجماعات، فما بالك عندما يموت آباؤهم.. سيأخذونهم إلى الجبهات قبل أن يصل الآباء إلى المقبرة.. التدخين ممنوع فوق الباص، هذا ما أردت قوله.
يُغلق الرجل الخمسيني نافذته، ويشتم الجميع بصوت غير مسموع، ويلتفت ناحية الرجل الأكثر هدوءًا، ويلوح به بيده، ويقول بصوت مظلوم أكثر هذه المرة :
مالهم؟
يفكر الرجل الأكثر هدوءًا بالإجابة، وأثناء ذلك يتوقف الباص فجأة، ويصيح السائق معلنًا نهاية القصة بسبب انتهاء الوقود، ويطلب الأجرة حالاً، ويتوعد كل من يرفض دفع الأجرة بجره إلى أقرب قسم شرطة، حيث لا يُظلم هنالك أحد.
تتخلص المرأة من ثقل ابنها، وتأمره بالجلوس على المقعد بجانبها، وترفع يديها إلى السماء وتقول: الله لا فتح لك باب أنت والباص حقك، وكل ظالم.
يُخرج الرجل الخمسيني ولاعته من جيب جاكته البني ويُشعل سيجارته وينفخ دخانها بقسوة.. يأخذ نفسًا عميقًا، ثم يُخرج دخان سيجارته من رئتيه ويهم بالنزول من الباص، وهو يضحك ويقول: أحسن حاجة.. أحسسسسن حاجة.

جـمال طه

جمال طه, كاتب ساخر, لديه العديد من الأعمال وكتابة الإعلانات والمقالات والقصص القصيرة.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى