كتبت/ خديجة الحبشي
خلال العقد الأخير، تغيّرت علاقة اليمنيين بتراثهم على نحو غير مسبوق، لم تعد الذاكرة الجماعية تُروى فقط في البيوت والمناسبات، بل أصبحت موضوعًا للمشاريع والتمويل والدورات والمنح، ومع هذا التحول، برز سؤال أساسي: من يوجّه هذا الجهد؟ ومن يضمن أن ما نُعيد روايته اليوم هو تراثنا كما هو، لا كما نتصوره؟
من هنا تبدأ هذه المقالة، محاولة في تأمل العلاقة بين الشغف والوعي في مشاريع التوثيق الثقافي.
في عام 2016، قدّم الباحث رفيق العكوري (الخبير الوطني في التراث غير المادي قدّم أوراقًا بحثية حول سياسات التراث والهوية في أوقات الحرب والنزوح، ويُعد من الأسماء اليمنية القليلة التي تناولت موضوع التراث بعمق نقدي وأكاديمي) ورقة بحثية في الجامعة الأمريكية في كردستان بعنوان «سياسات التراث الثقافي والهوية في أوقات الحرب والنزوح».
كانت تلك الورقة من أوائل المحاولات الجادة لقراءة واقع التراث اليمني في ظل الحرب، وقد شكّلت بالنسبة لي نموذجًا وقدوة في كيفية التفكير النقدي حول التراث بوصفه قضية وجود وهوية، لا مجرد مادة فولكلورية.
قبل عدة أسابيع فقط، قدّم رفيق ورقة جديدة في الجامعة الأمريكية في القاهرة حول توثيق وأرشفة التراث في المهجر، بين الورقتين وبين ما يقارب عشر سنوات، تغيّر كل شيء من مفهوم التراث نفسه، إلى آليات صونه، إلى الجهات التي تتولى مسؤوليته.

فقد مرّ التراث اليمني بمرحلة مضطربة من الطمس والتجريف وفرض الهويات الثقافية المصطنعة، وفي الوقت ذاته ظهرت محاولات لإحياء موروثات منتهية ودفن تراث حيّ لا يزال ينبض في الناس والأماكن.
زادت المشكلة تعقيدًا بعد أن تخلّت مؤسسات الدولة عن دورها في الحماية والتوثيق لصالح المنظمات والمبادرات الخاصة التي، رغم نواياها الطيبة، افتقدت في كثير من الأحيان إلى المرشدين المتخصصين والوعي العلمي بأساليب الحصر والتوثيق.
ومع هذا الغياب المؤسسي، يبرز نموذج لا يُمكن تجاوزه حين نتحدث عن الوعي الحقيقي بالتراث “أروى عبده عثمان”
أروى ليست مجرد باحثة أو كاتبة، بل أيقونة التراث اليمني وواحدة من القلائل الذين مارسوا البحث الميداني بحبّ ومعرفة، جابت القرى والجبال والسهول لتوثّق الحكايات والأغاني والأزياء والعادات، وأسست بيت الموروث الشعبي كمتحف للحرف والفنون الشعبية، كانت ترى أن التراث لا يُكتب من المكاتب، بل يُسمع من أفواه الناس ويُلتقط من التفاصيل اليومية.
رحيل أروى عن اليمن لم يكن مجرد خسارة شخصية، بل خسارة وطنية لذاكرة بأكملها، ذاكرة امرأة كرّست حياتها لتُبقي صوت التراث حيًّا.
أمثال أروى هم المرايا التي نرى من خلالها كيف يمكن للشغف أن يتحول إلى علم، وللحب أن يصبح فعل صونٍ وحماية.
الشغف لا يكفي، فأن تعمل في الثقافة أو الفنون لأنك تحبها لا يعني أنك تملك الأدوات الكافية لحمايتها، هذا المجال يحتاج إلى تعلّم مستمر وإشراف مؤسسي.
أتذكر ورشة أخذتها مع اليونسكو عام 2019 حول صون التراث الثقافي الغير مادي باستخدام استمارات الحصر الرسمية، كانت أول مرة أتعرف فيها على الفرق بين التوثيق الأكاديمي والتوثيق العشوائي، وعلى أهمية أن يكون كل مشروع توثيق مبنيًا على معايير تحفظ التراث كما هو، لا كما نراه أو نريد أن نقدمه.
وأنا لا أعارض التطوير أو الإدماج أو إعادة التقديم، فالتراث الثقافي بطبيعته كائن حيّ يتغيّر ويتجدّد، لكنّ المشكلة تبدأ حين نحاول أن نجمّل التراث أو نعدّله بملء خيالنا دون مرجعية أو فهم للسياق الأصلي.
أن نعيد تقديم الأغنية الشعبية بإيقاعات معاصرة شيء جميل، لكن أن نغيّر كلماتها أو معناها أو رموزها بدافع “التجديد” هو تشويه مقنّع بالإبداع، التراث ليس مساحة نملؤها برؤانا الشخصية، بل ذاكرة يجب أن نصغي إليها أولًا قبل أن نضيف إليها.
وأحد الأمثلة الحديثة التي توضح عمق هذه الإشكالية كانت قضية أغنية “الشوق أعياني” التي أثارت ضجة بعد أن أعاد غناءها الفنان عبد المجيد عبد الله.
الكثير من الناس نسبوا الأغنية للفنان محمد الحارثي، بينما هي في الأصل من التراث اليمني، وأول من سجّلها كان الفنان صالح العنتري بدايات الأربعينيات.
عبدالمجيد عبدالله لم يسرقها ولم ينسبها لنفسه، بل ذكر أنها من كلمات الشاعر يحيى جحّاف وألحان خالد الشيخ، إلا أن اللحن المستخدم مختلف عن اللحن التراثي الأصلي.
المشكلة هنا ليست “سرقة” بالمعنى المباشر، بل قضية ملكية التراث الثقافي نفسها، التراث ملك للدولة، وهي الجهة المعنية بصونه وحمايته، ولا يجوز لأي فنان أو جهة أن تغيّر فيه أو تعيد إنتاجه دون تصريح رسمي من وزارة الثقافة.
حين يُعاد تلحين أو أداء أغنية تراثية من دون معرفة بمصدرها أو بسياقها التاريخي، فإننا لا نُحيي التراث بل نُخضعه لتحوير جديد يفقده معناه الأصلي.
وهذه ليست حالة فردية، بل جزءًا من نمط أوسع يحدث عندما يغيب الإرشاد الثقافي والوعي بأصول التوثيق، فيتحول الشغف إلى عبث غير مقصود بالذاكرة الجماعية.

أتذكر تجربة شخصية في عام 2023، أثناء تنفيذ أحد المشاريع الثقافية التي كنت أديرها، كنا ننزل مع الفريق إلى الميدان لتوثيق الأهازيج الشعبية بحضرموت، ونتحدث مع الناس الذين ما زالوا يحتفظون بذاكرة التراث الحيّة، المؤرخين، الشيوخ، النساء اللواتي ما زلن يرددن الأغاني القديمة كما ورثنها، في إحدى الزيارات، وصل الفريق إلى رجل مسنّ، أحد المؤرخين الشعبيين المعروفين في مدينة سيئون.
كان طريح الفراش، على وشك مفارقة الحياة، لكن ذاكرته كانت ما تزال متقدة بشكل مدهش، لم نرد أن نرهقه أو نضغط عليه، ومع ذلك كان هو المبادر، يتحدث بحماس وفرح، كأنه يُسلّمنا أمانة الذاكرة قبل رحيله.
كانت تلك اللحظة ثقيلة جدًا عليّ، لأنني أدركتُ وقتها أن هذه الذاكرة الشفوية يمكن أن تضيع في أي لحظة إنْ لم نتدارك أصحابها.
تكرّر المشهد ذاته في أكثر من موقع ومع أكثر من راوٍ، بعضهم كان ينسى تفاصيل، وبعضهم يخلط بين الأزمنة، لكن جميعهم كانوا يحملون ما لا يمكن لأي أرشيف أن يحتويه دفء التجربة الإنسانية.
ومن هنا ازداد يقيني بأن التوثيق ليس مجرد تسجيل للمعلومة، بل هو علاقة إنسانية ومسؤولية أخلاقية تجاه من عاشوا هذا التراث ونقلوه، لهذا فإن وجود المؤرخين، والرواة، وحكايات الناس، يجب أن يكون جزءًا أساسيًا في كل مشروع توثيق، فهم ليسوا “مصادر معلومات” فحسب، بل حراس الذاكرة، وبهم يستعيد التراث الثقافي نبضه الحقيقي.
ومن واقع حضوري ومتابعتي للعديد من المشاريع الثقافية في السنوات الأخيرة في حضرموت خاصة واليمن عامة، لاحظت افتقارًا واضحًا للدقة في النقل والتوثيق، سواء في المحتوى نفسه أو في الطريقة التي يُقدَّم بها على المنصات الرقمية، كثير من الفرق والمنظمات تتعامل مع التراث الثقافي وكأنه مادة تسويقية تُختصر في صور جميلة أو منشورات قصيرة، دون وعي حقيقي بأهمية الكلمة والعبارة والسياق، أحيانًا يُنقل كلام الناس حرفيًا دون فهم معناه، وأحيانًا يُعاد صياغته بطريقة “نسخ ولصق” تفقده روحه.
وما زاد الأمر سوءًا هو المبالغة في استخدام أدوات الذكاء الصناعي في إنتاج محتوى يُفترض أنه يوثّق الذاكرة الإنسانية!
كيف يمكن أن نستخدم خوارزميات “توليد النصوص” لإعادة صياغة تراث قيل في لحظته، وله نغمه وذاكرته الخاصة؟
التراث الثقافي لا يُعاد كتابته، بل يُنقل كما هو، بصدق، وبتفاصيله الصغيرة التي قد يراها البعض بسيطة لكنها هي التي تمنحه الحياة.
الخطر الحقيقي أن هذه الأخطاء، حتى وإنْ بدت “محلية” في البداية، سرعان ما تتحول إلى مراجع عالمية خاطئة، فعندما تُنشر كتيبات، أو تُنتَج أفلام، أو تُترجم منشورات على أنها “تمثّل التراث اليمني”، بينما هي مليئة بالتحريف أو المبالغة، فإن الصورة التي تصل إلى العالم تصبح مشوَّهة، وهكذا نجد أنفسنا أمام تراثين: تراث ثقافي أصيل، وآخر رقمي مزيف صُنع من نوايا طيبة لكنها بلا وعي أو إرشاد.
هنا تتجلّى أهمية وجود المرشدين والمختصين والمؤرخين الذين يوجّهون الباحثين والفنانين في مشاريعهم، لأن التوثيق لا يقوم على الموهبة وحدها، بل على الوعي بالزمن والسياق والمصدر، وذاكرة الناس أنفسهم، روايات الجدّات، القصص الشفوية، اللهجات، الحكايات الصغيرة التي تُقال في المجالس، هي جزء حيّ من تراثنا إن لم نتدارك هؤلاء الناس، سنفقد الروح الحقيقية للبحث، مهما امتلكنا الكاميرات أو الدعم أو المنح.
أستذكر قول أصيل إيهاب (فنان وباحث يمني، مؤسس ومدير منصة “بُن كاست” (Boncast) المتخصصة في توثيق التراث اليمني وتحويله إلى محتوى إعلامي معاصر) في أحد مقالاته علي لينكد أن “مهما حضرت من دورات، بتبقى بحاجة إلى من يسألك الأسئلة الصح”، وهذا بالضبط ما نحتاجه في مشاريعنا الثقافية والفنية من يسألنا، من يراجعنا، من يرشدنا إلى الطريق الصحيح، فالشغف أو الحصول على دعم لا يصنع مشروعًا حقيقيًا، لكن وجود مرشد واعٍ يمكن أن يُحدث فرقًا عميقًا في الفكرة والنتيجة والأثر.
كل ما سبق يجعلنا أمام ضرورة ملحّة؛ إذا كانت المؤسسات والأجهزة الحكومية لم تعد قادرة على أداء دورها في حماية التراث ومتابعة المشاريع الثقافية، وإذا كانت منظمات المجتمع المدني، رغم جهودها، تفتقر أحيانًا إلى المرجعية أو إلى المتخصصين، فمن الواجب أن نؤسس منظومة إرشاد ثقافي حقيقية.
منظومة لا تكون شكلية أو استشارية فقط، بل تضم باحثين ومؤرخين وخبراء في التراث واللغة والموسيقى والفنون، يعملون كمرجع ومرافِق لكل مشروع ثقافي أو فني قبل نشره أو إخراجه إلى العلن، وجود مثل هؤلاء المراجع يمكن أن يُحدث فرقًا هائلًا في جودة المشاريع، وفي مصداقية ما يُقدَّم باسم “التراث اليمني”.
حتى المبادرات التي بدأت تتبنى مفهوم الإرشاد، مثل منحة “هب لي هب لك” ضمن برنامج “يور إيكو | Your ECHO”، وهي مبادرة شبابية غير ربحية تأسست على يد يمنيين بهدف تمكين الشباب ثقافيًا ودعم مشاريعهم الإبداعية والتوثيقية، تُعد خطوة مشجعة في الاتجاه الصحيح، المبادرة تعمل بشراكة مع Goethe-Institut Jordanien ضمن برنامج YemenCreative Hubs المموّل من الاتحاد الأوروبي، وتسعى إلى بناء شبكة من الفنانين والباحثين اليمنيين وتوفير مساحة حقيقية للتعلّم والتبادل والإرشاد.
لكننا بحاجة إلى توسيع هذا المفهوم وتعميمه ليصبح جزءًا أساسيًا من بنية العمل الثقافي في اليمن والمنطقة، فكل فنان، أو موثق، أو مدير مشروع ثقافي، مهما بلغت خبرته، يحتاج إلى من يسأله الأسئلة الصح، إلى من يُعيد تذكيره بأن التراث ليس مادة للتجميل أو العرض، بل أمانة نُحمَّلها للأجيال القادمة.
حين نصل إلى هذه المرحلة من الوعي، يصبح التوثيق فعل محبة ومسؤولية في آنٍ واحد، ويصبح التراث اليمني، بكل ما فيه من جمال وتنوع، محفوظًا لا في الذاكرة فقط، بل في الممارسة الواعية التي تعرف متى تُضيف، ومتى تصمت لتُصغي.
اللوحة في الصورة الرئيسي للفنانة – ديما مصلح




